أبو علي مصطفى وحرب العملاء ... بقلم: عرفات حجازي

بتنفيذ العملية الجبانة التي أدت الى استشهاد واحد من رموز الشعب الفلسطيني، هو الشهيد ابو علي مصطفى يتعين علينا جميعا ان نصرخ بصوت مدو واحد: يجب ان نرفع رؤوسنا من الرمال لانه بلغ السيف الزبى.....
فعندما يجري اغتيال هذا القائد يصبح من المحرمات السكوت على ارتكاب هذه الجرائم بحق شريحة واحدة من قادة شعبنا وهم جميعا بدون استثناء الذين وقفوا ضد اتفاقية أوسلو، وهم الذين لم يؤمنوا منذ البداية بعملية الاستسلام.
وهم الذين رفضوا التفاوض مع العدو الذي لايقبل من مفاوضيه الا التنازل عن كل شيء، فهؤلاء الشهداء جرى اغتيالهم، ليس لانهم قاموا بعمليات مسلحة ضد إسرائيل، بل لأنهم من معارضي أوسلو ومعارضي تقديم التنازلات للعدو الغاصب وكان الشهيد «أبو علي» واحدا ممن انطبقت عليهم شروط إسرائيل في التخلص منهم وإزالتهم من طريق الاستسلام التي يرفضونها.

من هم القتلة؟؟؟؟
وهنا لابد ان نقف لنرفع رؤوسنا من حقول الرمال التي اضطررنا لوضع هذه الرؤوس فيها خشية ان نرى او نسمع، وخشية ان نقول نعم او لا، ونحن نحاول ان نرفع هذه الرؤوس اليوم من الطين او الرمال لا بد ان نشير بأصابع الاتهام نحو هؤلاء القتلة الحقيقيين ثم ان نعترف بان لا شارون ولا زبانيته ولا الاباتشي ولا الولايات المتحدة التي صنعتها كان يمكن ان تنفذ عملية اغتيال بحق واحد من هؤلاء الشهداء لولا هؤلاء المجرمين القتلة الحقيقيين وهم العملاء الذين زرعتهم إسرائيل في كل فصيل وفي كل دائرة وفي كل حي وفي كل بيت......
فلولا هؤلاء العملاء لما استطاعت إسرائيل الوصول الى «أبو علي» ولا لأي من الستين شهيدا الذين اغتالتهم منذ انتفاضة الأقصى حتى اليوم..........
يقول المركز الإسرائيلي لحقوق الإنسان«بيتسيلم«في تقريره الأخير ان الوحدات الإسرائيلية اغتالت منذ اندلاع الانتفاضة اكثر من ستين فلسطينيا!!!
ونشر السياسي البريطاني المعروف السير «سيريل تاونسند» مقالا جاء فيه ان الإسرائيليين لا يجدون صعوبة في الوصول الى المستهدفين من اجل اغتيالهم نظرا لاختراق المجتمع الفلسطيني بالكثير الكثير من العملاء المأجورين!!!

العملاء القتلة:
وإذا أخذنا مقال السياسي البريطاني موضع الجد نتذكر ما قاله الجنرال شاؤول موفاز رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي في الاجتماع الذي ضم قادة الموساد والشين بيت والأجهزة الأمنية عندما قال أننا بدون العملاء لن نستطيع عمل شيء لهذا فان سلاحنا الأكبر هو المحافظة على هؤلاء العملاء.
وهذا القول للسياسي البريطاني وهذا التأكيد لرئيس الهيئة العسكرية الإسرائيلية يعطيان الجواب الذي لا جواب غيره وهو كيف يجري اصطياد ابو علي مصطفى الذي يتوجه لمكتبه في ساعة مبكرة وتقوم مروحيتا الاباتشي في لحظة واحدة وتقصفان مكتب الشهيد كل واحدة من شباك مختلف لتسجل إسرائيل اكبر عملية وحشية في تاريخ البشرية.
كيف لتكنولوجيا السلام في العالم ان ترصد شخصا في عمارة مكتظة بالسكان وتقصفه بالصواريخ لحظة دخوله الى مكتبه لو لم يكن العملاء هم الذين ارشدوا الى هويته والى تحركه والى وصوله الى مكتب!!! وهذه العملية التي لايمكن ان تقدر على تنفيذها كل تكنولوجيا العالم هي تماما مثل عمليات اغتيال قادة آخرين قصفتهم الاباتشي او الدبابات لحظة خروجهم من منازلهم او ساعة ركوبهم في سياراتهم وهي أمور لا يمكن متابعة أحد منهم بدون العملاء الأنجاس الذين لا بد من القضاء عليهم قبل مواجهة شارون او جنوده المستوطنين او كل حاملي البنادق الإسرائيلي!!!!
في العمارة التي اغتيل فيها ابو علي مصطفى كان يقيم في تلك اللحظة عشرون شخصية أميركية من اصل عربي كما قال السفير الأميركي في إسرائيل دان كير تزر الذي طلب توضيحا من إسرائيل كيف يعرضون حياة الأميركيين للخطر وهذ يؤكد ان المجرمين اليهود كانوا قد حددوا الهدف جيدا بصورة لا تقبل الخطأ والشك بالاستعانة بالعملاء المأجورين.

أوسلو هي السبب
أحد قادة الأمن الفلسطينيين اعترف قبل عام في مقابلة من فضائية الجزيرة انه يوجد حوالي مائة عميل في أراضي السلطة الفلسطينية.... ومثل هذا الرقم لا يكاد يصدقه أحد لأن هذه النسبة غير موجودة في أي مكان في العالم، ولكن الرقم صحيح لان اتفاقية أوسلو كانت هي المحطة التي تربى فيها العملاء، وكانت هي التربة الصالحة لاغراء ضعاف النفوس للعمل مع الأعداء دون حرج ودون خشية من رقيب او حسيب.....ونحن لو عدنا الى اتفاقية أوسلو للوقوف على مسئوليتها في حماية العملاء وتشجيعهم عندما نقف عند المادة 16فقرة 2 التي جاء نصها بالحرف الواحد: «المتعاونون الفلسطينيون مع إسرائيل يجب ان لا يتعرضوا لأي أذى او ملاحقة وستكون هناك خطوات مناسبة بهذا الخصوص»! وعندما جرى تطبيق اتفاق «غزة - أريحا» أولا حددت الاتفاقية تأسيس الشرطة الفلسطينية من ثمانية آلاف شرطي، ستة آلاف منهم تقوم السلطة بتعيينهم من رجالها المتواجدين في تونس وغيرها، اما الألفان فسيجري تعيينهم من الشرطة الفلسطينية الذين كانت إسرائيل قد عينتهم منذ الاحتلال واختارت العملاء منهم، وهم الذين افسدوا الآخرين وورطوهم وحرفوهم!!!!
وفي المادة 13 من اتفاق القاهرة جرى ربط كل الشرطة الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية عندما تنص المادة بأن على الشرطة الفلسطينية إخبار لجنة المنطقة الإسرائيلية الأمنية عن أسماء الشرطة وأرقام لوحات سياراتهم وأرقام أسلحتهم!!

الوزراء الفلسطينيون
اما المادة الخامسة فإنها تشترط على منظمة التحرير ان تبلغ حكومة إسرائيل بأسماء أعضاء السلطة الفلسطينية، أي الوزراء وبأي تغيير بين أعضائها ويسري أي تغيير في عضوية السلطة الفلسطينية بموجب رسائل متبادلة بين المنظمة وحكومة إسرائيل.
وبمجرد تنفيذ الخطوات المنصوص عليها في هذه الفقرة يبدا كل عضو في السلطة ممارسة مهام وظيفته.
وطبعا هذا يعني أن جميع الوزراء لا يستطيعون مزاولة أعمالهم إلا إذا حصلوا على تبريكات إسرائيل كما ان الرئيس الفلسطيني لا يستطيع تعيين او نقل او إقالة أي وزير الا بعد موافقة إسرائيل وهذا يفسر معنى ان الرئيس الفلسطيني حاول زمن أيهود باراك إقالة الحكومة التي اتهمها المجلس التشريعي في ذلك الحين بالفساد ولم ينجح بل فرض عليه باراك تعيين جميع العاملين بالمفاوضات مع إسرائيل برتبة وزير!!!!
والاهم من كل ذلك ان المادة السادسة قد وضعت جميع موظفي السلطة تحت إشرافها لان نص المادة يقول: يقوم الجانب الفلسطيني بإبلاغ الجانب الإسرائيلي بأسماء الفلسطينيين المفوضين الذين سيتولون الصلاحيات والمسؤوليات وفقا لاعلان المبادئ في المجالات التالية: التعليم والثقافة والصحة والشؤون الاجتماعية والضرائب والسياحة واية سلطات أخرى.

سيطرة العملاء
وعندما ترتهن كل الأمور بموافقة إسرائيل التي تصدر الجواز، أيضاً، وعندما يكون تعيين الوزراء او الاستغناء عنهم وربط جميع مسؤولي السلطة بالجانب الإسرائيلي، ووضع الشرطة تحت السيطرة والتحكم بسلاحهم وسياراتهم وكل شأن من شؤونهم، هكذا مجتمع مرهون بالارادة الإسرائيلية والإشراف الإسرائيلي يصبح حتما حاضنة لتفريخ العملاء ورعايتهم والعناية بهم وتسهيل مهمتهم كما نصت المادة 16 من اتفاق أوسلو والتي تعطي ضعاف النفوس الشعور بان الولاء لإسرائيل قد يؤمن الفائدة أكثر من الولاء للسلطة الفلسطينية التي تتجاذبها المصالح والخلافات!!!!

الجبهة الشعبية لن تستسلم
وعندما أقول انه لابد من ان نرفع رؤوسنا من الرمال لنعود نرى ونسمع ونصرخ إنما استذكر الجبهة الشعبية التي جعلت اسم فلسطين يدوي في الآفاق عندما أعلنت الكفاح المسلح وبادرت في اختطاف الطائرات وزلزلت الكيان اليهودي وكان يحسب لها ألف حساب... هذه الجبهة لا بد ان تعود لبداياتها ولماضيها لانها لا يمكن ان تترك دم الشهيد «أبو علي» يذهب هدرا ضحية العملاء.

مهرجان عروبة فلسطين
ما زلت أذكر الأخ «أبو علي» عندما اجتمعنا أكثر من مرة عام 1998 للبحث والإعداد للذكرى الخمسين على الجرائم لمسة النضال التي يجب ان تستمر حتى التحرير، وفعلا تمخضت تلك الاجتماعات عن مهرجان عروبة فلسطين الذي تبنته النقابات المهنية، وقد شاركت مع الشهيد الغالي «أبو علي» مصطفى وعلي عقله عرسان الأمين العام لاتحاد الأدباء العرب في ندوة بعنوان «القضية الفلسطينية.قضية قومية»، تحدث فيها «أبو علي» كما لم يتحدث في كل ندواته وخطاباته العربية، ولكن يا حسرة لقد فقدنا قائدنا، ولم يتحقق الحلم والأمل: لم نستطع القضاء على العملاء، الذين يجب ان يكونوا الهدف الأول في معركة التحرير، ولم تتحرك الأمة العربية لإنقاذ الشعب والوطن من أكبر مؤامرة شهدها العالم حيث تخلى الجميع عن نجدة الأسرى في الوطن الجريح، وتركوا العملاء يعيثون في الأرض فسادا وخرابا، ولكن لا بد لليل من آخر، ولا بد ان ينزاح عن فجر متألق جديد!!.

مجلة الهدف العدد 1323 / 4 فلسطين تشرين أول 2001