الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
الصفحة الرئيسية تكوين الجبهة الشعبية البيان التأسيسي سجل الخالدين جرافيكس دفتر الزوار للإتصال بنا


أبو علي مصطفى القائد الكبير ... بقلم: عز الدين صلاح

ابو علي مصطفى منذ نعومة اظفاره عاش النكبة المأساوية التي حلت بالشعب الفلسطيني في عام 8491، ورفض ان يسلم بالهزيمة وبدأ في اعماقه يفكر بتغيير هذا الواقع، الذي استهدف شطب وطمس واذابة الهوية الفلسطينية، فكان اسهامه الفاعل في تشكيل حركة القوميين العرب، التي وضعت برنامجا قوميا، يقوم على اساس ان الوحدة العربية هي السبيل الامثل لمواجهة المشروع الصهيوني وتحرير الارض الفلسطينية المغتصبة، والتي تشكل 87% من مساحة فلسطين.
وطيلة فعل هذه الحركة التي اعتبرت من اهم الاطر القومية، وخاصة في الاردن والعراق واليمن وسوريا ولبنان، اتسم هذا القائد الكبير الذي نالت منه يد الغدر الصهيونية في 72 آب من عام 1002 بالجدية والانضباط والنزاهة والصدق والتفاني في تنفيذ ما يحدد له، ولقب في اوساط الحركة بالرجل المقدام الحديدي، وانيطت به مهام تشكيل خلايا مسلحة للانطلاق في مباشرة عمل الكفاح المسلح ضد الكيان الصهيوني. وفي اعقاب هزيمة حزيران، قيمت الحركة تجربتها النضالية، ووجد القائمون عليها وفي مقدمتهم الحكيم وابو علي مصطفى ونايف حواتمة ووديع حداد وباسل الكبيسي وابو ماهر اليماني، ان الحركة لم تعط البعد الفلسطيني الاولوية في سلم برنامجها.

وتقرر في الاجتماع تغيير اسم الحركة الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واكدت الوثيقة الصادرة ان ارث الحركة، هو في خدمة هذا التنظيم، الذي خرج من رحم الحركة. كما تبنت الجبهة الاشتراكية العلمية كنهج لصياغة برامجها، والكفاح المسلح كطريق اساسي لمواجهة العدوان الصهيوني.
وحقيقة ومع ولادة الجبهة بدأ نجم ابو علي مصطفى يسطع كقائد عسكري، وتسلم المهام الخاصة في هذا الشأن، وكان يعرف دائما بانه الرجل الثاني في الجبهة، كما حارب بقوة وعزم مظاهر الانشقاق التي حدثت في الاطر الداخلية للجبهة. وايقن في حينه ان غياب الوعي الفكري لدى القيادة ومن ثم القاعدة، هو السبب الرئيسي لوجود حالات الانشقاق، وعلى هذه القاعدة، بدأ يلتهم ويدرس الكتب والاصدارات التي تختص بالديالكتيك والمادية التاريخية واستطاع خلال اعوام ان يطور ذاته فكريا، واستوعب بدقة متناهية كل ما يتعلق بنظرية الاشتراكية العلمية.
وتميز عن الاخرين، بانه لم يكن ناقلا للجملة الماركسية، بل كان يستخلص العبر والدلالات والاستنتاجات وتفاعل معها ويضيف اليها تجربته الخاصة، لينقلها بوضوح وسلاسة الى القاعدة التنظيمية.

وبدأ نجمه يسطح كمنظر سلس ومن الطراز الاول في القضايا الاستراتيجية والتكتيكية. وكان لارساء الوعي النظري وطنيا وتنظيميا وقوميا وامميا، والذي حمل رايته الشهيد ابو علي مصطفى العامل الحاسم في معالجة النزق الانشقاقي، الذي بدأ يبرز بين الحين والاخر في اعقاب انشقاق الديمقراطية عن التنظيم الام، وفي اشاعة مبدأ وحدة التنظيم، وعلى قاعدة التفاعل الداخلي بين الاراء المتعارضة، بحيث تلتزم الاقلية برأي الاغلبية.
وحقيقة لعب هذا القائد الكبير دورا مميزا في ارساء البنى التنظيمية والسياسية والفكرية في اطر الجبهة، بحيث اضحت تنظيما متماسكا مهما في الساحة الوطنية، واعتبرت من حيث الفعالية النضالية والسياسية التنظيم الثاني بعد فتح كما عرف هذا التنظيم وبفضل اسهامات الشهيد الكبير بانه حامل لواء المعارضة البناء في الساحة الوطنية.
وانا اتحدث عن هذا الرجل المقدام، الذي ينتمي الى عائلة فقيرة من عرابة، اشير الى دوره المميز في تكوين وتعزيز وتقوية منظمة التحرير، ووصفه البعض بانه من الاعمدة التي خلقت وعززت هذا الاطار، الذي اعاد الشخصية الوطنية الفلسطينية الى حيز الوجود بعد ان كادت ان تلغى وتطمس بفعل المؤامرات المتلاحقة.
وكلنا يتذكر موقفه الصلب في الدفاع عن وحدة المنظمة، ووقوفه بصلابة ضد كل المحاولات الرامية لخلق اطار مواز لها سواء في مرحلة الخروج من بيروت، او في مرحلة ما بعد التوقيع على اتفاقيات اوسلو.

ورغم انه اتخذ موقفا معارضا لاتفاقيات اوسلو، الا انه كان دائما من اعمدة الحفاظ على الجبهة الداخلية ، معتبرا ان التناقض الرئيسي والاساسي، هو مع العدو الصهيوني، وان التعارضات في الساحة الوطنية، تحل عبر البحث عن القواسم المشتركة، للخروج ببرنامج اجماع وطني تلتقي عليه كافة القوى الوطنية والاسلامية لمواجهة مرحلة ما بعد اوسلو.
وقبل عودته الى الوطن، كانت الجبهة في الداخل تعاني من ترهل تنظيمي، افقدها القدرة على التعامل مع المستجدات التي نجمت عن بروز السلطة الوطنية، ومرد هذا الترهل هو غياب مركز الجبهة عن الحدث المركزي الذي اصبح يصنع في داخل الوطن. ولكن بعودته وبشخصيته القيادية التنظيمية الواعية بدأت الجبهة في معالجة مشاكلها التنظيمية، واستطاع ان يعيد التنظيم الى عافيته، بحيث ارسى الاسس السليمة لمعالجة اي مشاكل تنظيمية من الممكن ان تبرز، ولهذه المميزات انتخب امينا عاما للجبهة الشعبية في مؤتمرها الاخير، وبحق استطاع وطيلة حوالي نصف قرن من مسيرته النضالية ان ثبت انه من احد الرموز الكبيرة في النضال الوطني والقومي والرسمي، تحلى بالجرأة والصلابة والشجاعة والنزاهة الثورية.
وبسبب هذا الدور المميز للشهيد الكبير خرجت الجماهير الفلسطينية لاستقباله اثناء عودته، وخرجت عن بكرة ابيها في محافظات الوطن، ومخيمات الشتات، اثناء مراسم تشييع جثمانه الطاهر.

لقد خسرت الحركة الوطنية الفلسطينية والامة العربية مناضلا وقائدا كبيرا ونزيها، اتسم بقدرته الفائقة على تحليل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية... ولكن ما يخفف من حجم هذه الخسارة ان تجربته لم تكن ملكا خاصا به، بل اشاعها ونشرها، بحيث اصبحت ملكا جماعيا، لذا اقول: "ان فكره المقاوم العميق سيبقى دائما في وجدان واعماق كل من يسعى ويناضل من اجل الحرية والحياة الافضل".

مجلة الانتفاضة العدد 97 - 2/9/2001