|
زيت
الجبهة وجسد أبو علي مصطفى ... بقلم: بكر أبو بكر ارتبط اسم الجبهة الشعبية في الضمير الوطني والقومي بنهج العمل الموسوم (
بالتقدمي) المشدود بالأيديولوجية (الماركسية-اللينينية) كنظرية علمية للصراع
المجتمعي والقومي وضد العدو،وبحتمية انتصار الاشتراكية والطبقة العاملة في مواجهة
الرأسمالية والبرجوازية والرجعية ، كما ارتبط بمحاولات الجبهة الجادة أن تمثل تيار(
الرفض) العملي أو البديل الجاهز أو المعارض الدائم ( لليمين ) الفلسطيني الذي يقود
الثورة ، بما يقدم ( اليسار ) الطليعي والتقدمي وحده كقائد للثورة بالتآلف مع
تنظيمات اليسار الفلسطيني الأخرى ، لينتهي ذلك كله عبر التراكم الكمي والتغير
النوعي خلال عقود بتطور في الوعي وتغير في المفاهيم لدى الجبهة التي ارتضت دور
الشريك المقاوم والصلب في النضال عوضا عن دور البديل الأوحد أو المعارض المناكف أو
الخصم المشاكس . كما مثل اسم الجبهة الشعبية صعودا نضاليا (علميا) جعل من كوادر الجبهة
ينخرطون في مدارس حزبية وتعبئة أيديولوجية وآلية تثقيف جدلية افتقدتها عديد
التنظيمات وعلى رأسها حركتنا حركة (فتح ) ، وتميزت بذلك الجبهة حتى بعد انهيار
الأيديولوجية وتحطم المعسكر الاشتراكي وسقوط جدار برلين لتقدم في مؤتمرها الأخير
الذي انتخب فيه أبو علي مصطفي أمينا عاما ورقة فكرية فلسفية متماسكة أشعلت زيت
العقل فينا وحركت كوامن الجهد العقلي والنقاش النظري والفلسفي ، قد نتفق أو نختلف
مع الكثير مما احتوته ورقة الجبهة ولكنها دللت على تمسك الجبهة الأمين بالمنهج
والفكر كمسيِر للنضال وموجِه للخطط ومحدِد للتنظيم ومرشد للعمل ومقياس للأداء . لقد
ارتبط اسم الجبهة الشعبية بتياراتها المختلفة ميدانيا بالعديد من العمليات النوعية
منذ أواخر الستينيات وفي السبعينيات والتي أحدثت هزة في العالم وأثارت الحيرة
والكثير من التساؤلات ، رغم ما شاب النظر لمثل تلك العمليات الخارجية من تهم جاهزة
وصعبة بالإرهاب ، والذي أصبح في يومنا هذا يطال كافة أشكال المقاومة الشعبية للشعوب
الساعية للاستقلال والتحرر وفي مقدمتها بالطبع شعبنا الفلسطيني , ولكن الجبهة
بصلابة النواة التي انطلقت منها تواصلت في فكر ثابت وعطاء متجدد وسعي أصيل باتجاه
فلسطين ، وإن كان بأعين مدهونة بالزيت اختلفت عن أعيينا نحن تلك الأعين المكحلة
بحركة (فتح ) . في مرحلة الطلاب والعمل النقابي حيث النفوس ثائرة ، والقلوب واجبة ،
والأصوات هادرة ، وأمواج العقل تتراقص في ذبذبة عالية ، وحيث التشدد والمثاليات
والتطرف عنوان ، كان الصراع النقابي محتدما - وارقبه ما زال وإن بمفاهيم أخرى
وبوجود تنظيمات جديدة - بين فتح الوسطية في المحيط العربي الإسلامي من جهة وبين
اليسار الفلسطيني أو جبهات الرفض من جهة أخرى وعلى رأسها الجبهة الشعبية ، وكانت
كوادر الجبهة من الهمة والنشاط والفعالية والتنظيم مما يحوز على الإعجاب ويشي
بالغلبة ، حتى أن فترات الفوز لحركة (فتح ) في الانتخابات الطلابية كانت تقابل من
كوادر الجبهة الشعبية – أصدقائنا- بالتهاني والاقتراب لحركة (فتح) لا السلبية
والابتعاد ، رغم شراسة المعركة الانتخابية وشعاراتها الكبيرة والبراقة أو المثيرة
والمبالغ فيها أحيانا إلى حد الاستفزاز . لقد حازت كوادر الجبهة على الاحترام رغم
الاختلاف ، ومثلت خصما عنيدا في مراحل الاحتراب التنظيمي والسياسي إبان مرحلة
الانشقاق في صفوف حركة (فتح) منذ العام 1983 ، وعلى أثر اتفاقات (أوسلو) منذ العم
1993 بشكل أساسي ، وظلت السمة التي لازمتهم هي الاهتمام الشديد بالنظرية والمنهج
وإن على حساب العمل ، على عكس حركة (فتح ) التي تضم قطاعات عريضة من الاتجاهات (
العملانية ) متفوقة بالأداء على ضعف الإعداد الفلسفي أو التعبوي المطلوب
. إن الجبهة الشعبية ويسار ( لاح العلم الأحمر لاح بين الزعتر والشياح ) مثلت
زيت الثورة ، ومثلت سندا ديمقراطيا في إطار فصائل الثورة ثم في إطار منظمة التحرير
الفلسطينية رغم شعارات ديكتاتورية البروليتاريا ، وحتمية انتصار اليسار ، ومثلت
صورة مغايرة ورواية ثانية وتحليلا مختلفا ، واجتهادا موصوفا وطريقة تفكير أخرى ،
وتجربة على ما فيها من سلبيات وإيجابيات نفتخر بها كفلسطينيين وكعرب وكثوار ونتعلم
منها ... لقد كان وجودها ضرورة الواقع المتأزم وثورة بساط الريح والسير في حقول
الألغام واكتشاف الثوار المسلح والمتدرج لأهمية التعددية وتنوع أشجار الزيتون
وضرورة الاختلاف في مساحة الجوامع الوطنية المشتركة. كان الشهيد القائد البطل أبوعلي مصطفى جسدا زيتونيا ورمزا من رموز العمل
الوطني وكانت - وما زالت - الجبهة تنظيما ملتزما ووعاء عطاء متصل وبوتقة وعي وطني
جعلت من أبو علي وكثير من رموز الجبهة والتي منها الرفيق والأخ العزيز ناصر أبو
عزيز من قيادات الجبهة واحد محرري سجون الاحتلال والمبعدين الأبطال يمثل روح عطاء
كوادر حركة (فتح) في الجبهة ، ونمثل عنه (الجبهة ) في قلب حركة فتح فكرا وتأصلا
وحوارا في حركية وطنية ثورية لا تعترف بالعصبوية الضيقة أو الأحقاد أو الثأر
الفصائلي ، مع عمق الانتماء الوطني ثم التنظيمي كل لإطاره ووجهة نظره ورؤياه
الوطنية . |