رجال يهزمون قبورهم ... بقلم: غسان شربل

لا مفاجأة في اغتيال «أبو علي» مصطفى، الأمين العام لـ (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين). فخطة شارون لاستدراج الفلسطينيين من الانتفاضة إلى الحرب تستلزم جريمة بهذا الحجم. وواضح أن شارون يفضل أن يخوض الجيش الإسرائيلي معارك عسكرية، على أن يكون مغلول اليدين في مواجهة رماة الحجارة. لم يصدق الإسرائيليون يوما أن «أبو علي» مصطفى طوى صفحة الماضي. وأنه ارتدى الثياب المدنية مرة أخيرة ، وأنه قبل الأمر الواقع، واستعد للتسليم بما يدفع إليه ميزان القوى من فتات، وأن القائد العسكري لـ (الجبهة الشعبية) بات يراهن على الديبلوماسية، وخير الاتفاقات لاستعادة قرية أو شجرة. كان «أبو علي» مصطفى في حساباتهم متهما بإخفاء نواياه. وكانوا ينظرون إليه، كما ينظرون إلى رجل يشتبه بأنه يهيء، سرا، عبوة قاتلة، وينتظر موعد زرعها في المكان والزمان الملائمين. وشارون نفسه كان يعرف قصة الرجل، الذي اتهم بأنه محرك الخيوط القاتلة ومحرك «جيفارا غزة» ورفاقه، وقد تولى شارون، شخصيا، في نهاية الستينات، الإشراف على تصفية هؤلاء، ولم تكن تقديرات الإسرائيليين خاطئة فـ«أبو علي» مصطفى رفض في الواقع إعادة النظر في مساحة خريطة فلسطين، التي كانت هاجسه الدائم، ويوم قرر في 1999، الذهاب إلى مناطق السلطة، اختار أن ينطلق من الوقائع التي أوجدتها الاتفاقات، لإعادة إشعال الحلم السابق لها. كان شارون يعرف أن رفيق جورج حبش ووديع حداد لن يوقع على سلام منقوص أو يوطن نفسه على التعايش مع المستوطنات، عاد ليزرع النار وليستنهض جيلا جديدا في (الجبهة الشعبية).

الظلم هو المفتاح لقراءة قصة «أبو علي» مصطفى، فهو اختار منذ تكريس حياته لمواجهة الظلم الذي اصاب شعبه، إنه، أيضا، كرفاقه حبش وحداد و(أبو جهاد) و(أبو إياد)، مكافح للظلم عبر عمر حافل لا يعد بغير الزنزانة أو الاستشهاد.
قبل ستة أعوام قرعت باب «أبو علي» مصطفى في مكتب (الجبهة الشعبية) في دمشق. كان يعرف أن الغرض من زيارتي هو إعداد ملف (جورج حبش يتذكر) لم تكن بيننا علاقة سابقة. ولم يخف معارضته لكشف الأسرار، معتبرا أن الوقت لم يحن بعد، ولم يكن «أبو علي» ممن يسارعون إلى ضخ الدفء في اللقاءات، فقد علمته التجارب الحذر، قال إن اتفاق «أوسلو» لن يبلغ نهاياته، وأن الإسرائيليين لم يفعلوا، كل ما فعلوه، ليقدموا في النهاية تنازلات جدية، انتقد ياسر عرفات وأعرب عن اعتقاده بأن «أوسلو» هي مجرد فصل في نزاع طويل، لا يمكن لأي توقيع أن ينهيه ما دام الاحتلال جاثما على أرض يعتبرها الفلسطينيون لهم وقال: (حتى لو قبل هذا الجيل مرغما، فإن الأجيال المقبلة لن تقبل).

سألته عن إقامته في معتقل الجفر الصحراوي في الأردن، حيث أمضى خمسة أعوام، فاكتفى بالقول إنه اغتنم الفرصة لقراءة الكتب السياسية والفكرية، لأن ظروف عائلته حرمته، أصلا، من التعليم. وفي ذلك المعتقل شارك «أبو علي» مصطفى رفيقه، وديع حداد، في حفر نفق الهروب، وهي محاولة سيكشف ملف وديع حداد - الذي تنشره الوسط على حلقات، قصتها وسبب فشلها. وعبر «أبو علي» عن مرارته، لرؤية «كارلوس» يقبع وراء القضبان، ولقيام جهة عربية، السودان، بتسليمه (وهو الذي جاء من البعيد ووضع نفسه في خدمة قضيتنا).
أضيفت المرارة إلى الظلم، فقد كان «أبو علي» مصطفى، كما بدا خلال اللقاء، يجد صعوبة في تقبل الانهيارات التي ضربت المشهد الدولي ووضعت العالم في عهدة قوة عظمى وحيدة.
قبل شهور كنا نفكر في الوسط بعمل صحافي نواكب به الانتفاضة، وفي النهاية اخترنا الطريق الصعب، وهو البحث عن قصة الدكتور وديع حداد من الداخل. استلزم البحث شهورا وزيارات لعواصم متباعدة. وقبل أيام اكتمل الموضوع وقررنا النصف الثاني من الشهر الجاري موعدا للنشر جاء نبأ اغتيال «أبو علي» مصطفى، فقررنا أن أفضل تحية نوجهها إليه، وإلى الانتفاضة، هي البدء فورا في وضع تجربة وديع حداد. القائد الفلسطيني الاستثنائي، في خدمة شبان الانتفاضة والقراء.

عاد «أبو علي» مصطفى إلى التراب الذي يحب. بهجة القاتل لن تدوم طويلا. غداً، يعشب قبره وتتطاول قطرات دمه شجرا عنيدا سامقا، يرد الظلم عن القرى والنوافذ والأطفال حكاية كحكاية خليل الوزير ووديع حداد، حكاية رجال يتقدمون الصفوف حتى الاحتراق.
حكاية رجال يهزمون قبورهم.

مجلة الهدف العدد 1323 / 4 فلسطين تشرين أول 2001