اليسار الثوري الفلسطيني 
الصفحة الرئيسية تكوين الجبهة الشعبية البيان التأسيسي سجل الخالدين جرافيكس دفتر الزوار للإتصال بنا


 

جاء يستشهد ... بقلم: سمير عطا الله

عندما عاد ابو علي مصطفى الى رام الله قبل عامين، قالت لي نفسي الساذجة ان الجبهة الشعبية انضمت الى التسوية. والا فماذا ذهب خلف جورج حبش يفعل في اراضي السلطة قبل اعلان الدولة والضفة مطوقة من كل جهة براً وبحراً وجواً ونهراً كأنها جنين في رحم مستعار على لغة هذه الايام.
وخطر لي يومها، بكل سذاجة، ان ادون تلك التساؤلات، ما بين مداعبة المناضلين والتساؤل حول حقيقة المرحلة. ولم يكن ابو علي مصطفى «المتطرف» الوحيد الذي عاد. او «الجبهوي» الوحيد. فقد رأينا نايف حواتمة ينخرط في فكرة التسوية، ويتحول الى كاتب سياسي يغرق افكاره في حيرة المرحلة الانتقالية وآفاقها المفتوحة على كل مجهول وكل احتمال وكل تناقض.

وبدا ان الاكثرية الكبرى من الفلسطينيين، مثل اكثرية العرب، ارادت ان تعطي السلطة فرصة التجربة وامل الاختبار. غير ان ابو علي مصطفى ونايف حواتمة كانا رمزين غير عاديين في جناح العمل الفلسطيني. فقد كانا يمثلان، الى حد بعيد او متفاوت، على يسار «فتح»، ما تمثله «الجهاد» و«حماس» على يمينها في النظرة الايديولوجية الى طبيعة الصراع.
في الايام القليلة الماضية، حدث امران: الاول، وقوع اول عملية من نوعها على قاعدة عسكرية اسرائيلية، تبنتها الجبهة التي يتزعمها حواتمة. الثاني، اصغيت الى ابو علي مصطفى، بعد الهجوم الاسرائيلي على جنين، يدلي بحديث الى الـ«بي.بي.سي» العربية ويقول فيه، بصلابته المعهودة، ان اسرائيل ستدفع الثمن غالياً بالدماء اذا حاولت العودة الى الاحتلال وان جنودها ودباباتها سيواجهون بالرصاص. امس، ظهراً، سمعت على الـ«بي.بي.سي» نعيه في رام الله. وامس تذكرت ذلك السؤال الساذج، البالغ السذاجة، الذي خطر لي عندما عاد ابو علي مصطفى الى رام الله: ماذا ذهب الزعيم الجديد للجبهة الشعبية يفعل هناك؟

لقد ذهب يناضل هناك. وذهب يستشهد هناك، واولئك الذين صدقوا فكرة التسوية لوهلة او مرحلة رأوا ماذا حل بها، من ابو عمار الى نايف حواتمة. وقد عاد الاخير من الكتابة الى النضال العسكري، فيما كان ابو عمار يحمل للمرة الاولى منذ ايام بيروت، رشاشاً، وهو يتفقد يوم الاحد المباني الملوية السقوف والبيوت المدمرة.
لقد اغتالت اسرائيل مولود اوسلو بتقطيع اطرافه اولا. وبعد اغتيال فكرة التسوية تغتال الآن احتمالها، وسوف تغتال غداً نظريات التعايش وفكرة الجوار. وهي تفعل ذلك بموجب بيانات رسمية تصدر جماعياً باسم «حكومة الائتلاف الوطني». وتقصف المقار الرسمية والزعامات السياسية بالطائرات الاميركية، في الوقت الذي يستنكر جورج بوش موقف ياسر عرفات.

جريدة الشرق الأوسط العدد 8309 – 28/8/2001