اليسار الثوري الفلسطيني 
الصفحة الرئيسية تكوين الجبهة الشعبية البيان التأسيسي سجل الخالدين جرافيكس دفتر الزوار للإتصال بنا


 

أبو علي اجتاز النهر مرتين ... بقلم: صقر أبو فخر

منذ عامين تقريبا، طوى أبو علي مصطفى اثنتين وثلاثين سنة من معاركه في المنفى، وعاد الى عرابة، قريته الاولى، ليبدأ شوطا جديدا في المنازلة الفلسطينية المديدة. رجع أبو علي الى عرابة ليقبس من هباء الذكريات المندثرة كيف كان، في طفولته، يعارك شوك الارض ونجيل الحقول لتنقف بيادره حصادا من الدحنون الاحمر القاني.
في 30/9/1999 اجتاز أبو علي نهر الاردن عائدا الى فلسطين. وعند باحة المدرسة الثانوية في عرابة استقبله الناس والأهل بالمحبة والأمل، وكان لافتا ان يكون بينهم وفد من سكان الجولان جاء ليرحب بالعائد. وغدا حينما تطوي الأرض جثمانه، ستودعه فلسطين كلها بعدما سال فوق ثراها دمه القاني بلون شقائق النعمان.
إنه أول أمين عام يستشهد فوق أرض فلسطين. قبله، خارج أرضه، سقط فتحي الشقاقي بنبل وفروسية. أما أبو علي مصطفى فها هو يسقط اليوم متسربلا بالكرامة والغضب معا، بعدما أمضى في مقارعة السجون والأسلاك الشائكة نحو خمس وأربعين سنة متواصلة.

اسمه مصطفى الزبري، وكنيته أبو علي. ولد في سنة 1938 في قرية عرابة القريبة من مدينة جنين، ودرس حتى المرحلة الثانوية فقط، ثم عمل مزارعا في الارض. ومنذ يفاعته المبكرة اكتشف حركة القوميين العرب إبان صعودها المدوي، ولم يلبث ان انضم إليها، وراح يناضل في صفوفها باندفاع ومثابرة إلى ان اعتقل في سنة 1957 وكان لما يزل دون العشرين، وصرف في أحد سجون الاردن خمس سنوات من عمره الذي، للأسف، لم يمتد طويلا. ومنذ البداية، اختار هذا الرجل الذي اشتهر بابتسامته الأليفة، ان يناضل في المجال العسكري، فالتحق بإحدى الدورات العسكرية في أنشاص في مصر سنة 1965 وخضع للتدريبات الصارمة. وفي السنة نفسها كلّفه إقليم فلسطين في حركة القوميين العرب، مع رفيقه فايز جابر، الذي قتله الاسرائيليون أيضا في مطار عنتيبي بأوغندا، ان يباشرا التحضير لانطلاقة العمل الفدائي ضد اسرائيل. وبالفعل، تولى أبو علي تنظيم خلايا الاستطلاع تمهيدا للقيام بالعمليات العسكرية. ومع ان حركة فتح هي التي دشنت في 1/1/1965 مرحلة الكفاح المسلح، وتولت، بجدارة، قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، إلا أن أبو علي مصطفى، حين اندلعت حرب الخامس من حزيران 1967، لم يتهاون البتة، ولم يتوان لحظة مما انتدب نفسه اليه، فاجتاز وادي الشريعة في ليل 1/7/1967 لينخرط في النضال السري ضد الاحتلال ويتولى مسؤولية الداخل الفلسطيني في حركة القوميين العرب. ولاحقا، أسهم إسهاما مباشرا، في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي انبثقت من اندماج جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة احمد جبريل ومجموعة شباب الثأر بقيادة جورج حبش ووديع حداد.

وفي أثناء غياب جورج حبش في احد سجون دمشق سنة 1968، أنشبت الازمة الداخلية أظفارها في جسم الجبهة الشعبية. وكان مؤتمر آب 1968 بداية الافتراق بين التيار الماركسي بقيادة نايف حواتمة، والتيار القومي الذي ظل على ولائه.
للقيادة التاريخية المتمثلة في جورج حبش ووديع حداد وهاني الهندي. وعند هذه النقطة تولى ابو علي مصطفى المسؤولية الاولى في القيادة الموقتة التي استمرت حتى اطلاق جورج حبش بعملية مثيرة خطط لها ببراعة مشهودة، وديع حداد في 5/11/1968، وساهم ابو علي في تخطيطها وتهيئة أسباب نجاحها.

بعد خروج وديع حداد من الجسم العام للجبهة الشعبية في سنة 1976 على قاعدة الموقف الخلافي من استمرار العمليات الخاصة الخارجية، صعد أبو علي مصطفى الى الموقع الثاني في الجبهة، وأصبح نائبا للمؤسس التاريخي جورج حبش. وقبل ان تطوي الالفية الثانية دفترها، وبالتحديد في 8/7/2000، استقال جورج حبش من مهماته، فانتخب أبو علي امينا عاما. وهكذا خلف الفلاح الفقير النازح من منطقة جنين الطبيب اللاجئ من مدينة اللد، في إشارة رمزية الى انتهاء حقبة عاصفة من تاريخ النضال الفلسطيني، والى بداية حقبة جديدة سديمية الملامح ومكتظة بالمتغيرات معا. وحسبُ أبو علي مصطفى، الذي عبر نهر الاردن في سنة 1968 لقتال الدولة الاسرائيلية ثم عاد واجتازه ثانية في سنة 1999 ليموت في ذروة القتال من اجل الدولة الفلسطينية، ان يكون شاهدا على مرحلة شديدة التقلب والاضطراب هي مرحلة الكفاح الفلسطيني المسلح في سبيل دولة منزوعة السلاح.