اليسار الثوري الفلسطيني 
الصفحة الرئيسية تكوين الجبهة الشعبية البيان التأسيسي سجل الخالدين جرافيكس دفتر الزوار للإتصال بنا


الرفيق / غسان كنفاني

ولد الشهيد غسان كنفاني عام 1936 في مدينة عكا بفلسطين .. وهو عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. عرفته جماهيرنا صحفياً تقدمياً جريئاً ، دخل السجن نتيجة جرأته في الدفاع عن القضايا الوطنية أكثر من مرة

نشأته وحياته

والده :
خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء ، وبما أن والده لم يكن مقتنعاً بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لإبنه أن يكون تاجراً أو كاتباً أو متعاطياً لاى مهنة عادية ولكن طموح الابن أبي عليه الا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية. صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع فما كان عليه إلا أن يتكل علي جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذى يرسله له والده ويشترى بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ، ويشارك بعض الأسرفي مسكنها ، إلى أن تخرج كمحام. وعاد إلي عكا ليتزوج من أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب وليبني مستقبله هناك.
وكافح هناك وزوجته الى جانبه تشد أزره وتشاركه فى السراء والضراء ونجح وكان يترافع فى قضايا معظمها وطني خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارا كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية.
وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوماً بيوم وكانت هذه هى أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة وينقلها معه حيثما حل أو إرتحل ، وكثيراً ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع الى ذكريات كفاحه ، فقد كان فريدا بين أبناء جيله ، وكان هذا الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلاً لنا يحتذى.
هذا هو والد غسان كنفاني الذى كان له بدون شك أثر كبير فى حياة ثالث أبنائه غسان.

غسان الطفل:
هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا ، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الاجازة والأعياد فى عكا ، ويروى عن ولادته أن امه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل الى سريرها قبل أن تضع وليدها وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك وحدث هذا فى التاسع من نيسان عام 1936.
كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا وكنا نحسده لانه يدرس اللغة الفرنسية زيادة عما ندرسه نحن. ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات. فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب وقد شهد أولى حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التى بدأت هناك إثر قرار تقسيم فلسطين. لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتي بهم إلي عكا وعاد هو الى يافا ، أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى ان كانت احدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جري الهجوم الاول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في اطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والاطفال اذا اقتضى الامر.
ومما يذكر هنا ان بعض ضباط جيش الانقاذ كانوا يقفون معنا وكنا نقدم لهم القهوة تباعاعلما بان فرقتهم بقيادة أديب الشيشكلي كانت ترابط في أطراف بلدتنا. وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها الى عكا وكانت الصور ما تزار ماثلة فى الأذهان. فى هذا الجو كان غسان يجلس هادئاً كعادته ليستمع ويراقب ما يجري.
استمرت الاشتباكات منذ المساء حتي الفجر وفي الصباح كانت معظم الاسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن الى لبنان فوصلوا الى صيدا وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في اقصي البلدة علي سفح الجبل ، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية اذ أن والدهم لم يحمل معه الا النذر اليسير من النقود فقد كان أنفقها فى بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا وهذا البناء لم يكن قد إنتهي العمل فيه حين إضطروا للرحيل.
من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين الى حلب ثم إلى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان فى طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كنا نكتشف دائماً أنه مشترك فى مشاكلهم ومهيأ لها دون أن يبدو عليه ذلك.
غسان اليافع
فى دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة ، أبوه المحامي عمل أعمالاً بدائية بسيطة ، أخته عملت بالتدريس ، هو وأخوه صنعوا أكياس الورق ، ثم عمالاً ، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه دروسه الابتدائية.
بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك فى برنامج فلسطين في الاذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية.
وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التى كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته. واثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الادب العربي والرسم وعندما انهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات فى مدرسة الاليانس بدمشق والتحق بجامعة دمشق لدراسة الادب العربي وأسند اليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصى. وذلك بالاضافة الى معارض الرسم الاخري التى أشرف عليها.
وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب وأترك الكلام هنا وعن حياته السياسيه لرفاقه ولكن ما أذكره انه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له احراجا مع والده الذي كان يحرص علي انهائه لدروسه الجامعية وأعرف أنه كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين اخلاصه ولرغبة والده.
غي أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة اقامته في الكويت كانت المرحلة التى رافقت اقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهى التى شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة فكان يقرأ بنهم لا يصدق. كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستماية صفحة وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة.
وهناك بدأ يحرر في إحدي صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسياً بتوقيع "أبو العز" لفت اليه الانظار بشكل كبير خاصة بعد أن كان زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل بالعراق.
في الكويت كتب أيضاً أولي قصصه القصيرة "القميص المسروق" التى نال عليها الجائزة الأولي في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكرى فى الكويت أيضاً وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التى ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هى شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية تفاخر بها أمام رفيقاتها ولم يتأخر غسان عن ذلك الا فى السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله.
عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة الحرية كما هو معروف.

غسان الزوج:
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالاضافة الى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل إثنين. لفت نشاطه ومقالاته الانظار اليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين.
عام 1961 كان يعقد فى يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية.
واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت فى الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار واياها المخيمات وكانت هى شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة الى أهلها. وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي فى 12/11/1966.
بعد ان تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية اذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه.
عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حى المزرعة ، ثم الى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول.
وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل.
وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الاخيرة الا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره وكان يقضى أيام عطلته (اذا تسنى له ذلك يعمل فى حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته.

غسان القضية:
أدب غسان وانتاجه الادبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به.
"عائد الى حيفا" وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعي ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الاحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.
"أرض البرتقال الحزين" تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية. "موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. "رجال في الشمس" من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته الى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء ، كانت المعاناة ووصفها هى تلك الصورة الظاهرية للاحداث أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين فى تلك الحقبة وتحول قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق.
فى قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق القضية ، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي.
قصص "أم سعد" وقصصه الاخري كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين فأخذ يجتمع الى ناس المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتى تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين) أما القصة فلم يكتب لها ان تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه " عن الرجال والبنادق".
كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في الفترة الاخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لاحد العمال وهو يكسر الصخر فى كاراج البناية التى يسكنها وكان ينوى تسميتها "الرجل والصخر".

غسان الرائد:
تجب وضع دراسة مفصلة عن حياة غسان الادبية والسياسية والصحفية ولكننا في هذه العجالة نكتفي بايراد أمثلة عن ريادته بذكر بعض المواقف في حياته وعتها الذاكرة:
كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً دقيقا مذهلا وذلك في قصته "موت سرير رقم 12" ولا أستطيع أن اؤكد اذا كان سواه قد كتب عن ذلك من بعده.
فى أوائل ثورة 58 بالعراق ايام حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق ورأى بحسه الصادق انحراف النظام فعاد وكتب عن ذلك بتوقيع "أبو العز" مهاجما العراق فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده الى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.
بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة "المحرر" اليومية استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة وكانت على ما أذكر الصفحة الخامسة وكان يحررها هو وآخرون. ومنذ سنة تقريبا استحدثت احدى كبريات الصحف اليومية فى بيروت صفحة مماثلة وكتب من كتب وأحدهم استاذ صحافة فى الجامعة الاميركية كتبوا في تقريظ هذه الصفحة وساءنى أن يجهل حتى المختصون بالصحافة ان غسان قام بهذه التجربة منذ سنوات .
لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية فى الفترات الاولى لتعريف العالم العربي على شعر المقامة ، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن "شعراء الارض المحتلة" مرجعا مقررا فى
عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين.

الدراسة الوحيدة الجادة عن الادب الصهيونى كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان "في الأدب الصهيوني". أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن حالة اللا سلم واللا حرب ولو عدنا قليلا الى الاشهر التى تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية فى تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللا سلم واللا حرب اى قبل سنوات من الاكتشاف الاخير الذى تحدثت عنه الصحافة العربية والاجنبية.
اننا نحتاج الى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التى كان يتمتع بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول أنه لم يكن له عدو شخصى ولا في أى وقت واي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذى لم يكن يهمه سوى الاخلاص لعمله وقضيته أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذى عرضت عليه الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون فى حاجة اليه ، الى ايمانه واخلاصه واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذى تساقط سواه كأوراق الخريف يأساً وقنوطا وقصر نفس.
كان غسان شعباً في رجل ، كان قضية ، كان وطناً ، ولا يمكن أن نستعيده الا إذا استعدنا الوطن.

عمل فى الصحف والمجلات العربية التالية:
- عضو في أسرة تحرير مجلة "الرأى" في دمشق.
- عضو في أسرة تحرير مجلة "الحرية" فى بيروت.
- رئيس تحرير جريدة "المحرر" في بيروت.
- رئيس تحرير "فلسطين" في جريدة المحرر.
- رئيس تحرير ملحق "الأنوار" في بيروت.
- صاحب ورئيس تحرير "الهدف" في بيروت.
كما كان غسان كنفاني فنانا مرهف الحس ، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، كما رسم العديد من اللوحات.

من مؤلفات الشهيد:
(1) قصص ومسرحيات :
- موت سرير رقم 12.
- أرض البرتقال الحزين.
- رجال في الشمس - قصة فيلم "المخدوعون".
- الباب - مسرحية.
- عالم ليس لنا.
- ما تبقى لكم - قصة فيلم السكين.
- عن الرجال والبنادق.
- أم سعد.
- عائد إلي حيفا.

(2) بحوث أدبية:
- أدب المقامة في فلسطين المحتلة.
- الأدب العربي المقاوم في ظل الإحتلال.
- في الأدب الصهيوني.

(3) مؤلفات سياسية:
- المقاومة الفلسطينية ومعضلاتها.
- مجموعة كبيرة من الدراسات والمقالات التي تعالج جوانب معينة من تاريخ النضال الفلسطيني وحركة التحرر الوطني العربية (سياسياً وفكرياً وتنظيمياً).

استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله مما أدي إلي استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة).


في الذكرى السابعة والعشرون

لنزرعهم, شهداءنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف, فدائما يوجد في::  الأرض متسع لشهيد آخر :: إما عظماء فوق الأرض, أو عظاما تحتها :: لا تمت قبل أن تكون ندّا :: لن أرتدّ حتى أزرع في الأرض جنتي, أو أنتزع من السماء جنتها, أو أموت, أو نموت معا ::

أم سعد" الرواية .. "أم سعد" الحياة

 

بقلم: سـليمان الشـيخ

 

 

 

 

 

 في مرحلة مهمة من حياة الشعب الفلسطيني وخصوصاً في لبنان كتب غسان كنفاني روايته "أم سعد" ونشرت سنة 1969 بعد مضي أكثر من عشرين عاماً على النكبة، ولأن فلسطينيي لبنان كانوا في تلك المرحلة بين قضبان السياج المفروض عليهم منعاً ومصادرة وسجوناً واعتقالات ومراقبة، أي كانوا تحت "جزمة الدولة" وبسطارها" بحسب تعبير غسان نفسه، بدت الرواية "وثيقة" مهمة تسجل تلك المرحلة، وتسجل النقلة النوعية في حياة الشعب الفلسطيني

 

 

.

سجل غسان، على لسان راويته أم سعد كل ذلك باقتصاد بلاغي، وبإشارات واضحة المعاني: "قلت لجارتي هذا الصباح، أود لو عندي مثله عشرة، أنا متعبة يا ابن عمي، اهترأ عمري في ذلك المخيم، كل مساء أقول يا رب! وكل صباح أقول يا  رب! وها قد مرت عشرون سنة وإذا لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟". هكذا تختزل الأمور هذه الأم التي بقيت فلسطينية على رغم كل شيء. إن لم يشارك سعد وسعيد وليث وحن وعائدة وحسين ومحمد وحنا وآمال وسليمان وقبلان  ومروان وسعاد، فمن يشارك إذاً؟

 

 

 

 

الرواية إذاً وثيقة ورائية مهمة في حياة الفلسطيني وهو يتحول إلى ثائر يكسر طوق الحصار والوصاية

 

 

.

النقطة المهمة الثانية في الرواية .. تتمثل في الالتفات ليس إلى الطبقة الكادحة الفلسطينية في معناها العام، بل أن غسان في روايته هو من أوائل الذين التفتوا إلى الطبقة الكادحة الفلسطينية في معناها الخاص، أي إلى ناس المخيمات الذين يقفون "تحت سقف البؤس الواطئ في الصف العالي من المعركة، ويدفعون، ويظلون يدفعون أكثر من الجميع".

 

 

 

 

وتختزل أم سعد الأمور فتقول : "أنا لا أبكي يا ابن عمي، أود لو أستطيع، لقد بكينا كثيراً، كثيراً، كثيراً، أنت تعرف بكينا أكثر مما طافت المياه في المخيم ليلة أمس". وتضيف : "لا أحد يبكي الآن، ولكنني صرت امرأة عجوزاً، صرت اتعب، أمضيت كل الليل غارقة في الوحل والماء.. عشرون سنة".

 

كانت تلك المرأة في جحيم الشقاء في المخيم وقد فاض فيها كيل العذاب والأحزان، فباحت بمكنون الصدر:

"ماذا أقول يا ابن عمي؟ في الليل أحسست بأنني قريبة من النهاية، ما النفع؟ أريد أن أعيش حتى أراها (البلاد- الوطن- الحرية) لا أريد أن أموت هنا، في الوحل ووسخ المطابخ .. هل تفهم ذلك يا ابن عمي؟".

هي إذاً رواية مكرسة لتصوير أو توثيق واقع المخيم الفلسطيني في مرحلة مهمة من مراحل شقائه وتحولاته. ولكن أين الجواب عن هذا السؤال: "أم سعد الرواية .. أم سعد الحياة؟". كانت الرواية هي الحياة مبثوثة من خلال شبكة وعي الكاتب وحساسية لغته الأدبية. التقط وعي الكاتب حال المخيم وهو يموج بالتحولات فقدم رواية عن الذين ينتزعون اللغة من براثن الواقع، ومن سارقيها ومنتحليها أيضاً.

أم سعد الرواية، هي أم حسين أو آمنة أحمد ياسين في الحقيقة والحياة، وهي كما يعترف غسان تربطه بها

قرابة ما ومن واقع علاقته معها وما كانت تنقله من أحداث المخيم (برج البراجنة) ومن أحداث حياتها أعطت

 لغسان المادة الخام للرواية.

 

وقد سجل اعترافه في مدخل الرواية قائلاً : "لقد علمتني أم سعد كثيراً، وأكاد أقول أن كل حرف جاء في

السطور الآتية، إنما هو مقتنص من بين شفتيها اللتين ظلتا فلسطينيتين على رغم كل شيء، ومن كفيها

الصلبتين اللتين ظلتا على رغم كل شيء تنتظران السلاح عشرين سنة".

 

سجلت "أم سعد" رواية الأحداث التي استعاد الشعب الفلسطيني فيها صوته، وامتلك فيها إرادته وسلاحه، أي سجلت معالم بداية امتلاك السلاح والإرادة. فما الذي حدث لـ "أم سعد" الحقيقية بعد ذلك؟

كبرت "أم حسين" وشاخت، وجسدها الذي كان شامخاً كرمح، صلباً كصخور البراري غزته الأمراض

(السكري والضغط وآلام القدمين) ومع ذلك فإن المرأة التي تقترب من الثمانين لم تطور رايات الحلم والأمل والعمل من أجل ما استشهد من أجله غسان وغير غسان.. تقول في إحدى المقابلات القليلة التي أجريت معها: "أعاني من السكري والضغط وألم القدمين، ومع اقتراب الثامن من تموز (اليوم الذي استشهد فيه غسان)، يرتفع السكري والضغط وينتابني ألم في جسدي وأحس "بنثرات" الزجاج التي ملأته- غسان- حين انفجرت السيارة بجسده عام 1972".

مع ذلك فإن هذه المرأة الأمية التي عاشت في مخيم برج البراجنة لم تنس الشهداء، ولم تنس غسان. تلك المرأة بعد مضى كل هذا العمر، وهذا الكدح، وهذه الأمراض، وهذه "النصال التي تكسرت على النصال .." تقول: "بعد اغتيال غسان تغيرت أوضاع البلاد، ما عاد لبنان على ما كان عليه، ولا الشعب الفلسطيني، كل الأمور تغيرت. لعلنا لن نعود إلى فلسطين في أيامي، انتظرت طويلاً، ربما سيعود إليها أولادنا، أو أحفادنا. لكننا سنعود، ومازلت احتفظ بجواز سفري وأوراق الأرض الثبوتية". امرأة ثمانينية .. لكنها تدرك أن الأمور أصبحت أصعب، وأن الأهداف التي استشهد من اجلها الشهداء، ابتعدت قليلاً عن مرمى التحقيق. لكنها لا تنسى لغة الحتم، لغة الحق والتاريخ التي تعيد المسألة إلى جذرها الأول "فالحق المغتصب لا يضيع ما دام صاحبه يطالب به، ويلح عليه، ويلجأ إلى كل الأساليب الممكنة للوصول إليه".

أم سعد .. أي آمنة أحمد ياسين، دخلت في الرواية عام 1969 ولم تخرج منها، ولن تخرج. وجسدها الحقيقي جاور جسد غسان في مقبرة الشهداء في بيروت في 10 آب (أغسطس) من عام 1993.

 

اليوم تطل علينا ذكري استشهاد واغتيال الأديب والسياسي الفلسطيني الكبير غسان كنفاني. ولا نعرف كيف نستقبل تلك الذكري الباقية فينا بقاء النكبة و كرت الإعاشة الذي لم يعد يعين أصحابه علي العيش، فحتي وقت غير بعيد كان فقراء المخيمات يسدون الرمق من الإعانات، أما بعد عودة صناع اوسلو في الفاتح من تموز (يوليو) 1994 إلي أراضي سلطة ما سمي يومها بالحكم الذاتي المحدود، أصبح كرت الإعاشة طيارا مثل الفراشة، لكنه بنفس الوقت قبيح إذ أنه يحمل ذكري اللجوء ورائحة التآمر الدولي علي شعب أنجب غسان كنفاني وغيره من جيل النكبة الفلسطينية الكبرى.

في تموز (يوليو) شهر العوز العقائدي عاد الذين عادوا إلي البلاد مثلما عادوا دون أن تعود الفكرة لبدايتها، كانوا يعدون لفكرتهم أفكارا غريبة وأخري معيبة، كانوا يظنون بأن دولتهم المتصورة أصبحت قاب قوسين وبأن الاحتلال سيعيد التين واللوز في تموز وآب وأيلول، ولم يتذكروا بحر ايلول الجديد، ظنوا أنهم مثل يوسف حين تطاول أخوتهم عليه، اعتقدوا أنهم ضحية الجوار، لكنهم كانوا ضحية سوء الاختيار والخيار، فلا القرار الوطني المستقل بقي مستقلا ولا التدخلات توقفت ولا الخربشات انتهت، ثم كان ردهم أن اهجروا الأشقاء والتحقوا بمعسكر السلام مع الأعداء، فأصبحوا في المعسكر الآخر بعيدين عن ابو علي إياد وابو يوسف النجار وأبو جهاد وطلعت يعقوب ووديع حداد وأبو العمرين فؤاد زيدان وابو اياد وجيفارا غزة وغسان كنفاني، صاروا من خارج معسكر العطاء وعلي مسافة بعيدة من مقابر الشهداء ومعسكرات الأحياء...

كانوا يعدون لتموزهم التسعيني منذ تموزنا كلنا، تموزنا اللبناني وحرب الجسور التي حطمت جسور التواصل مع الأصول، ففي بداية الثمانينيات، كانوا هم موعودين بالدولة وكنا نحن سكاري في حب الكفاح وفي خمرة الثورة، لذا قدمنا الغالي والنفيس علي مذبح القداسة الفدائية، وهم جنوا ثمار الكفاح بجوائز سلمية واتفاقيات لا تليق بالتضحيات والجراح ...

كانوا مثلما كانوا ومازالوا مثلما كانوا علي وهم السلام يعيشون، ظنوا ان البساط الأحمر في مراسيم استقبالهم هناك سيعطيهم دولة وسوف يحرر ما تبقي لنا من ارض البرتقال الحزين. فكانت مراسيم استقبالهم هناك مراسيم حداد هنا وهنالك، إذ ذكرتنا عودتهم العرجاء بخذلانهم لشهداء النضال الوطني الفلسطيني الذي كان، فحضرت أمامنا الصور والأسماء كأنها كلمات من كتاب الجهاد.

 في 14 من يوليو/ تموز يحل يوم معركة حطين وصلاح الدين وفتح القدس وتحرير فلسطين من الغزاة الاستعماريين، و يوم الخامس منه هو يوم الحاج أمين الحسيني ، وفي الثامن من شهر التين والعنب يكون يوم استشهاد  غسان كنفاني بقنبلة موقوتة فجرت سيارته في بيروت، وفي السابع والعشرين يوم رحيل القائد الفذ أبو علي إياد، الذي قال جملته الشهيرة "نموت واقفين ولن نركع" ثم استشهد ...
تعود دورة الأيام بعد لف ودوران دام 355 يوما، تأتي ذكرى غسان ومعها نكون قد دخلنا في تواريخ فلسطينية جديدة، تواريخ لا تخلو من الحزن والألم والحسرة على أمة ممزقة أضاعت التاريخ وفقدت المستقبل لتبقى عالقة ومخبطة ومحبطة من و في حاضر أليم.
 تعود الذكرى لتأتي من حيث ذهبت، تحضر بيننا وتنظر في عيوننا فتجد في بياضها سوادا أشبه بسواد المرحلة، ولا تجد في حقول ذاكرتنا المثقلة بالزرع الصناعي وبالكيماويات المستوردة من برتقال بلادها الحزين سوى تأتآت التائهين على دروب الآلام السلمية، و تسمع مع ذكراهم قهقهات الذين لا يهمهم من الوطن سوى جيوبهم،وعلى الجانب الآخر تهدر قرقعة البطون الفارغة، بطون الجياع من شعب الشهداء والعطاء.. و لا تسمع القرقعة عند أصحاب الواقعية الفارغة والعقلانية الدارعة، بل تسمع في مخيمات الجوع حيث العطاء والفداء والإبداع، فالجوع العقائدي موجود في الأمكنة التي لا وجود فيها للسماسرة وتجار الوطن، فتلك الأمكنة مسلحة باسمنت فلسطيني وطني متين، ولا تقبل بالاسمنت الذي يستورد من وحي كمب ديفيد لبناء جدار بينها وبين فلسطين التي ترفض نتاج ونتائج كمب ديفيد السابق واللاحق.  هؤلاء هم يا غسان أبناء الوطن المثخن بالجراح، وطنك البرتقالي الدماء والدموع، أما أصحاب البطون المكورة والمدورة، فلا مكان لهم في بالنا وهم ابعد ما يكون عن حدودك يا غساننا وعن حزن اطفالنا.

يسألنا غسان العائد إلى حيفا وكل فلسطين :
أين أصبحت أم سعد ؟
آه يا غسان ! أم سعد فقدت السعد والسعادة و بعض أبناء جلدتها الذين صاروا من عبيد امريكا وعبدة الكاميرات والسفر على أفضل الطائرات، وفقدت كذلك العرب والعاربة والأجانب ولم يعد لها سوى الدعاء لله في دور العبادة، والترحم على دلال وعندليب وريم و هنادي ووفاء، إذ لم يعد هناك في بلادنا فرق في الشهادة وفن الاستشهاد بين الرجل والمرأة والفتاة والشاب...
هل أعدتم للحياة السرير رقم12 ؟
لا ! لكننا أصبحنا كلنا نعيش في سرير كيان عابر ، وعلى فراش فوق ارض ثابتة لا تغور عن الدنيا ولا تغوص في الوحل.. أصبحنا بلحمنا الذي لا يقبل التقطيع ولا يعرف سوى الجزارين، قضية يريدونها في موت سريري، لكن رغم هذا لا يمكنهم سلخنا عن جلودنا، فنحن من صنع السرير، الفراش فراشنا، أما العابرون على شوارعنا فلا مكان لهم بيننا،حيث حياتهم ليست ملكهم وحياة سريرنا الثاني عشر ملكنا وحدنا..
هل لازالت الأرض مثل برتقالها حزينة ؟
نعم يا غسان ان الأرض أصبحت أكثر حزننا مما كانت يوم كنت لازلت ترسمها بريشة قلبك وحبر حياتك، ويم كانت تقول لك و لراشد حسين : " أنا الأرض فلا تحرموني المطر ".. برتقالها صار أكثر كآبة وأقل عصيرا... لقد عصروا برتقالنا وامتصوا دمنا ونهبوا حقوقنا وسرقوا بلدنا وجاء منا من يوقع لهم على صك براءة، فسافر بعض أبناء ارض البرتقال الحزين إلى ارض جنيف البعيدة ، حيث قرروا هناك تكملة تجارتهم بما تبقى من أرض البرتقال أو تجربة عبقريتهم السلمية عبر شم رائحة الوعود من بعض أبالسة يسار اليهود..
هل لازال العالم ليس لنا ؟
هذا سؤال مهم وصعب يا رفيق الدروب الوعرة، العالم منقسم على نفسه، منه من هو معنا ولا يفهمنا، ومنه من هو ضدنا ولا يريد فهمنا ولا يبدي استعداد لفهمنا، ومنه من هم معنا لأن الحق معنا والحقيقة معنا والعدالة تنقصنا ورحمة ذوي القربة. العالم يا غسان لنا ولهم وعلينا وليس حتى النهاية معهم ومعنا وليس عليهم حتى النهاية.. العالم لازال رهينة المحارق والتاريخ والإعلام المضاد، ورغم هذا استطعنا إحداث ثقب كبير في جدار الخزان، فتمكن الكثيرون من سماع صوتنا ومن هؤلاء بعض ممن كانوا لا يسمعون أو لا يريدون الاستماع...
ماذا عن الرجال والبنادق؟
هؤلاء أصبحوا أنواع وأصناف ، منهم من باع البارودة واستورد بدلا منها سيارة أمريكية أو أوروبية، ومنهم من تمسك ببارودته ودأب على صيانتها خوفا من الأيام القادمة، وهؤلاء هم الذين حموا شعبهم يوم قرر الاحتلال تصفية حساباته مع الشعب على طريقته المعروفة. لم يعد هناك الكثير من رجال جمهورية المنفى الثورية، وبعض الذين قادوا النضال من منافي الثورة أصبحوا أقرب الناس لمن يقيمون في خبر كان، أو لعلهم يعيشون الآن آخر لحظات كانَ وأخواتها وأوسلو وشقيقاتها...
هل لازال عندكم رجال لا يموتون ؟
لازال عندنا أصحاب مراكز لا يموتون أما القادة الحقيقيين يستشهدون كل يوم، ففي الانتفاضة الثانية فقط رحل أبو علي مصطفى رفيق دربك بعملية اغتيال شبيهة بعملية قتلك، استشهد وهو رجل ينتمي للقواعد والمواقف الصعبة، كما اعتقل رفيقك الآخر رجل المغاور والتخفي والعمل الصامت، رجل إعادة البناء والعودة الى الينابيع أحمد سعدات،وسجانوه نفر من الرجال الذي يموتون وقد لا يذكرهم التاريخ كباقي الرجال في بلدك، لأنهم خذلوا كل قداسة وجدت في فلسطينك. واستشهد شيخ المقاومة احمد ياسين ودكتور الاستشهاد عبد العزيز الرنتيسي وقادة وكوادر ومقاتلون ميدانيين كبار وعظماء لا بد للتاريخ ان يذكرهم بجلل واحترام وتقدير.
هل لديكم قصص أخرى تحدثونني عنها ؟
لدينا الكثير ، الكثير ، لدينا أمهات الشهداء اللواتي يعشن أعراس الشهادة كل حسب طريقتها الخاصة.. لدينا ام نضال فرحات وريم الرياشي والكثيرات من نسوة فلسطين الماجدات. ولدينا شعب لا يموت ولا يقبل بين صفوفه الميتيين من الأحياء.. فهذا شعب الشهداء والعطاء والفداء، شعبك يا غسان..
ولدينا أيضا قصصك ورواياتك وإبداعك الملحمي وأدبك الملتزم والمقاوم ، من أم سعد وبرقوق نيسان حتى رجال في الشمس وارض البرتقال الحزين بما فيها ابعد من الحدود وقتيل في الموصل، ويا ريتك تعرف يا صديقنا ما حل بالموصل وأهل العراق، فقد ذهب العراق إلى الأعداء بعد سجن داخلي دام عشرات السنين وعلى اثر غزو خارجي دام عدة أسابيع.. وصار القتلى في الموصل  وبقية مدن بلاد الرشيد بالعشرات يوميا .. كما تبقى لنا وعندنا مجموعة ما تبقى لنا من قصتي الصقر والعروس حتى قصة رأس الأسد الحجري .. تبقى لنا تراثك الأدبي والفني والسياسي العريق، منه نتزود بالقوة كلما خارت قوانا... تبقى لنا كذلك كرت الإعاشة وأصوات بطون جائعة تكاد تطغى على صوت الثورة الفلسطينية وصوت فلسطين وصوت الانتفاضة وصوت المقاومة وصوت السلطة وصوت الأمة العربية الواحدة ، الهامدة ...
 

عندما يعشق الثائر

الى قلب غسان كنفاني الحيّ

توأم روحي

 

أمـا قـبـل :

قال لها" بعد أن قرأت رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، أوشكت أحـطـّم صـنـمـاً "



حين يعشق الثائر :
أكتب هنا ، في المدينة الإجتماعية عن غسان كنفاني ، إحتفالاً بقلبه الحي العاشق، وليس احتفاءاً بذكرى استشهاد - تصادف بعد يومين - غسان الثائر المناضل رجل السياسة والأديب المبدع المثقف.
أحتفل به إنساناً ننزع عنه ورقة السوليفان الأحمر والبرواز الموشى ، نمدّ البساط ونجلس إلى جواره، نمر بكفنا على جبينه و نجس نبض قلبه و نلمس يده .. تأكيداً على أنه بشر مثلنا، لانجرده من عواطفه الإنسانية كونه مناضل ثائر.. فهو لم يكن أصلاً خارج الصورة الفعلية للإنسان الحقيقي.
أحتفل وأنا أتهجأ ذاك القلب ووجعه في العشق، و صوت ذاك الإنسان العاشق المدله في أعماقه والذي لم تكن - ربما - حياته النضالية و مواقفه السياسية وابداعه الخلاق أثرى وأقوى من قلبه النابض عشقاً ! الذي لم يستطع لسطوته وصدقه أن يعصيه أو يتمرد عليه كما كان في حياته السياسية متمرداً يُحدث الإنشقاقات في التنظيمات التي ينتمي إليها، لأن قناعاته الحرة تمضي به إلى سؤدد الرفض والـ : لا.
هذه الـ : لا .. التي لم يستطع ككثيرين منا أن يجبر قلبه على الإذعان لها ، فكان في عذاباته و خيباته؛ عاشقاً معذباً خائباً كما معظم البشر !
لن أحتفي بذكراه لأحيطه بهالة من القداسة، فالبطل الشهيد حين يغدو رمزاً وطنياً كبيراً، لست أسلخ إنسانيته و عواطفه وحبه عن مفاصل تاريخه، لأنه ليس رمزاً في جانب من شخصيته دون آخر، وثمة خيوط تربط الجوانب بعضها إلى بعض.
إنه إذاً إحتفال بقلبه ضد البعض الذي يرون في تاريخه النضالي والإبداعي ؛ كل نقاط القوة في شخصيته. ويرون في قلبه كل نقاط الضعف لديه، وكأن الضعف الإنساني عيباً (!).. وضد من يقوم بإفراغ الرمز الفلسطيني العقائدي النضالي الذي دفع حياته : مداد دم، ثمناً لمواقفه ولما يؤمن به، من محتواه و جوهره الإنساني العاطفي. وكأن عليه أن يكون حجراً لا يستشعر أو يلقي بالاً لهمه الإنساني الخاص، ولا يجدر به أن يعشق ويخفق قلبه لمجرد أننا ربطنا اسمه الرمز بطوباوية القضية الفلسطينية وقدسية الثورة والنضال، كي لا نـُـصعـق بكهرباء النظرة التقليدية للمناضل.
الغباء وحده هو الذي يصور للبعض أن الرمز السياسي النضالي الثقافي حين يقـبّـل قدم إمرأة يعشقها؛ يكون بذا قد ركع ! ولا يتنبهون إلى أنه : رفع .. رفع هذه المرأة لتنال شرفاً من قلبه يتوجها. و هو فعل لايأتيه - برأيي -إلاّ عاشق حقيقي لوطنه، فالعشق لا يتجزأ ولا يُسجن في دائرة .. هو فضاء لا محدود ولا يخضع لقيود.
بالنسبة لي .. كان غسان كنفاني في عشقه أكثراً إبداعاً وتألقاً و روعة . فما الثائر غير متماهي في عشقه وناكراً لذاته أمام: الوطن - العقيدة - المرأة . وكان عشقه بكل الظروف التي أحاطت به: عملاً بطولياً ! فلا أكثر بطولة ولا أنبل من أن يصمد القلب المعذب ويرفض الاستسلام رغم الفراق والعذاب والحزن ، تماماً كـشيم الثائر الحقيقي في ميادين ثورته.
لهذا .. ما الغريب في أن يكون الثائر عاشقاً؟!
الغريب أن لايكون عاشق وطنه : عاشقاً ثائراً.
لكن .. تباً لنا ، و تباً لكل تجارب النضال إذا كان يهزها إكتشاف أن أحد رموزها: عاشق.
يا إلهي .. كم قلبك " حي - حر " يا غسان كنفاني، الذي عادلت الموت من أجل الوطن؛ بالموت من أجل الحب، وكلاهما حياة.
لا بد لي أن أبكيك ، فهذا العشق الذي يضنونه عليك، لم يمنحك الكثير من مباهج الحياة.. وكأن قدر الفلسطيني أن لايُسـعـد لا بقلب وطنه ولا بقلب إمرأته.



أما بعـد :

أيها الشاب المتألق خلقاً وإبداعاً و نضالاً وحباً ..
احــذ ر .. فأنت أيضاً : ثائر عاشق ، و من يدري !!
ربما ، بعد أعواااام قد تـنـشر فـتاتك ما وصلها من رسائلك في كتاب، ويقرأها شاب ما  و : يحطم صنمك !

 المجد لقلبك والخلود لروحك غسان ..

 

 

إلى غسّان - زوجي وأستاذي

بقلم:آني كنفاني

 لقد قلت يوماً : " إن تاريخ الشعوب ليس من صنع فردٍ واحد، وإنما هو الرغبة في الالتحاق بنضال الجماهير المتواصل لهزيمة جميع أشكال الاستغلال القومي والطبقي ".

 أؤمن أنكَ كنتَ على حقْ، غير أنَ رجالاً عظاماً وشرفاء مثلك يا غسّان هم من يُعطي للشعوب المناضلة القدوة. لقد أثبتَ لشعبك الفلسطيني أنّه يحارب معركةً عادلة، وبموتك الآن تـُشجِـع شعبك على مواصلة النضال.

  لقد جئتُ إلى لبنان منذ عشر سنوات لكي "أدرس" المشكلة الفلسطينية. فيكَ، وجدتُ فلسطين - أرضاً وشعبا ً- ومن خلال زواجنا صرتُ جزءاً من فلسطين، أُماً لطفلين فلسطينيين: فايـز وليلى.

 منذ اللحظة الأولى للقائنا ، وثقتُ بكَ يا غسّان. لقد كـُنتَ على الدوام كلّيَ الصدقْ ، حتى حين عرضتَ عليَ الزواج، فرشتَ أوراقك على الطاولة : لا وطن، لا مستقبل، لا مال، لا جواز سفر، ومرض مُزمنْ ضار ٍ. ولم يُشكل ذلكَ كلهُ عندي أيَ عائقْ، فأنا أحببتُكَ أَنتَ يا غسّان وأُعجبتُ بكَ أنتْ. وعلى الرغم من " الوعود " الكثيرة المخفِقة، فقد أعطيتني ما يقرب من إحدى عشر سنة هي أجمل ما في حياتي وأشدُها أهمية، وهي سنوات سوف أعبُ منها العزيمة من أجل مواصلة السنوات الصعبة القادمة.

 لقد كنت بالنسبة لفـايز، ولِـليلى، ولي، أكثر من أب وزوج رائع، لقد كنتَ أستاذاً ورفيقاً أيضاً. وفي أيام الآحاد، كنتَ تـُـكرس نفسك لثلاثتنا، أحببتَ منزلنا، وأحببتَ عملك في الحديقة، ووضْعـِكَ اليدين في التربة، وأحبَبتَ اللعِب مع الأطفال والقطط، وشرُب القهوةِ أثناءَ ترجَمتِكَ لي قصصَكَ ومقالاتك. أحياناً، كـُنا نتكلم فحسبْ، وكنت تستمتع بالعمل – بالكتابة، والرسم، والعمل بالحديقة، وكانت يداكَ الخيـِرتانِ الجميلتانْ وعقلك الخيـِر الجميل لا تكـُف عن الخلـق، وعن العـطاء.

 كانت قــُدرتـُك العظيمة على إقناع الزوار الأجانب بعدالة القضية الفلسطينية أمراً معلوما. استطعت أن تشرح بكلماتٍ بسيطة، أصعبَ الأفكارِ السياسية، ولهذا استمع الناسُ إليكْ، وقرؤوا مقالاتك وكتبك، وسوف يستمرّونَ في قراءتها، ولهذا أيضاً كان يجب على الأعداء أن يدّمروك، لكنهم لم يـُفلِحوا. فالحال أن لا أحد يقدر على تحطيم ِ إنسان ٍ شريفٍ مُتـَجذر في شعبه عبر النضال ِ الثوريّ. سوف تكون دوماً معنا يا غسّان: شهيداً، ورمزاً، وشُعلةَ تحرير ٍ وثورة للشعب الفلسطيني وللشعوب الأخرى - أسيوية الأخرى.

  وإنّه ليبدوا لفـايـز ولـليلى ولي، أنك تشرعُ لِتـَوِكَ في رحلةٍ طويلة إلى جانبِ لميسْ التي أحببتـَها حُباً جَماً والتي ألهمـَتكَ قـِصصاً كتبتها لها منذ اللحظة الأولى لولادتها. عزيزَتنا لميسْ كانت من الخير، والحلاوة، والصبر، والذكاء، بحيث أنَ الجميعَ أحبها. وكانت مثلـُك تـُحبُ الناسَ والحياة، وأحـَبت والديها واخوتها حُباً عظيماً، وكانَ حـُبّها لكَ وإعجابها بكَ عميقاً وصادقاً. وفي صبيحة ذلك السبت، 8 تموز، ولأنهُ كان علّيَ أن أُلازمَ المنزل كي أعتني بـليلى و فـايز، اصطحبتك عزيزتنا لميسْ في الرحلة غير المتوقعة رجوعاً إلى حبيبتك فلسطينْ.

  لقد كانت مراسم مأتمكَ ومأتم لميسْ، وعدُ الشعب بمواصلة النضال الثوري وتطويره، سوف أبقى أبدَ الدهر فخورة ً بأنّي زوجتك، لم أُرد أن أبكي، بـل أن أواصل نضالك ، وحين مشيتُ مع عائِلتنا، ومعَ أُم سعدْ وكل ِ الناس الأقوياء الرائعين من أبناء المخيمات وخارجها، أحسَستُ بتلك القوةِ إحساساً عظيماً، حتى إنّي دَعوتُ " فايـز" لِمُشاركـَتـِنا، وبمشّيَتِهِ الفخورة في طليعة الجنازة، أدركَ الجميع أنهُ ابن غسّانْ، ولم يشك أحد في أن فايـز كما حبيبتكَ ليلى وغيرها من الأطفال الفلسطينيين، سوف يستلمون المشعل ويواصلون النضال من أجل الشعب الفلسطيني، ويوماً ما، سوف تصبح فلسطين ذلك العالم الذي أردتَ أن تـُهديه " إلى لميسْ و فايـز وجميع الأطفال الذين لا عالمَ لهمْ "

أوقد شمعته من الجهتين ومضى

آني وفايز كنفاني يتذكّران
أجرى الحوار: صقر أبو فخر
السفير





في الدانمارك، لم تكن تعرف شيئا عن فلسطين وهي الناشطة الشابة من أجل السلم وضد الأسلحة النووية، والمتحدرة من أب اشتراكي كان مخرطا في مقاومة الاحتلال النازي لبلاده. وعندما اكتشفت أن ثمة شعبا فلسطينيا طرده الصهيونيون من أرضه فلجأ مكرها إلى البلدان المجاورة، بادرت إلى الاقتراب المباشر من هذا الشعب وأرادت أن تتعرف إليه بلا وسائط. وكان غسان كنفاني مفتاحها إلى هذه المعرفة، لكنهما امتلكا، معا مفتاحا إلى المشاعر والعواطف الجياشة فتزوجا بعد شهرين من لقائهما الأول في بيروت.


وبعد غياب غسان في 8/7/1972 أبت أن تغادر لبنان البلد الذي أحبته كثيرا، او أن تغيب عن فلسطين التي ارتبطت بها برباط وثيق من المشاعر والوجدان والعواطف والعقل. ظلت في بيروت ترعى اسم غسان كنفاني في ولديه: فايز وليلى، وفي "مؤسسة غسان كنفاني الثقافية" وتدير عددا من رياض الأطفال وتشرف على تأهيل المعوقين.


إنها آني كنفاني، المرأة النبيلة الرقيقة المفعمة بالذكريات والعواطف والتطلع البهي إلى المستقبل. عنها وعن غسان وفايز وليلى كان هذا الحوار في منزلها في بيروت:


كيف تتذكرين الآن لقاءك الأول بغسان كنفاني؟

القصة تبدأ هكذا: قبل سنة 1960 كنت ناشطة في الحقل الاجتماعي في بلدي الأصلي الدانمارك. كنا ننادي بالسلام ونشارك في التظاهرات ضد الأسلحة النووية. وكنت في الوقت نفسه عضوة في فرقة "تينكلوتي" الفلكلورية المشهورة. وفي سنة 1960 شاركت في مؤتمر عالمي للطلاب في يوغوسلافيا. وفي هذا المؤتمر وفي مدينة "دوبروفنيك" التقيت، للمرة الأولى، طلابا فلسطينيين، وإذا بي اكتشف قضية إنسانية ووطنية عادلة كنت اجهل تفصيلاتها وملابساتها جهلا تاما، علما بأن والدي اشتراكي وكان منتميا إلى حركة المقاومة الدانمركية التي تصدت للاحتلال النازي. وعندما عدت إلى بلادي رحت أناقش المسألة مع زملائي الطلاب في "جامعة الشعب العالمية" وفي صيف السنة نفسها عدت إلى يوغسلافيا مع فرقة "تينكلوتي" للالتحاق بمخيم عمل عالمي، وفي هذا المخيم التقيت طلابا عربا واسرائيليين، وتحدثنا في المسألة الفلسطينية ما أتاح لي أن اقترب اكثر من جوهر هذه القضية. وفي أيلول 1961 سافرت إلى سوريا ولبنان لكي اطلع عن كثب على القضية الفلسطينية. وفي بيروت التقيت غسان كنفاني وكان يعمل مسؤولا عن القسم الثقافي في مجلة "الحرية" وهي المجلة الناطقة، يومذاك باسم "حركة القوميين العرب".


ما الانطباع الأول الذي تشكل لديك عن غسان؟

الانطباع الأول هو أن غسان شديد الحب لشعبه، شديد العناد في ما يعتقد، غضوب من أي شيء يمس قضيته وقضية هذا الشعب. اذكر أنني عندما سألته أن يساعدني في زيارة بعض المخيمات صمت قليلا ثم علا صوته غاضبا قائلا "إن الفلسطينيين ليسوا حيوانات في حديقة، يجب أن تعرفي الكثير عن هذا الشعب أولا".


هل تتزوجينني


كيف نشأ الحب بينكما إذا؟

صرنا نلتقي، أنا وغسان، كل يوم تقريبا. وفي أحد الأيام دعاني إلى العشاء في مطعم "الغلاييني" في محلة الروشة، وتحدثنا مطولا عن أحوالي وأحواله. وفجأة، قبل أن نغادر، قال لي:"هل تتزوجينني"؟ ساد الصمت بيننا لحظات، لكنه تابع: "اسمعي يا آني، أنا رجل فقير ومريض بالسكري ولا جواز سفر لدي، وأنا مناضل سياسي ولدي مشاكل كثيرة وحياتي ليست مطمئنة. لا أعدك بشيء، فهل توافقين على الزواج مني؟" لم اجب. بعدها قمنا لنغادر المطعم. وبينما كنا نصعد الدرج تمهلت قليلا وأمسكت بيده ثم حدقت في عينيه وقلت:"نعم سأتزوجك".


كيف كان وقع جوابك عليه؟

اذكر أننا ذهبنا بفرح إلى مقهى " التيرول" القريب من "الدولتشي فيتا" على ما أظن، واخبرنا أصدقاءنا مثال وضاح فارس وغيره بقرارنا. كنا كمن يدخل مغامرة جميلة ومتوثبة. المهم أننا تزوجنا بعد شهرين، في تشرين الثاني 1961، وسكنا في منزل صغير في شارع الحمراء، وبدأت العمل في إحدى روضات الأطفال. وبالتدريج اكتشفنا أن الموت وحده ربما يكون قادرا على تفريق الواحد منا عن الأخر. وهذا ما حصل بالفعل، فيما بعد.


هل تحتفظين بذكريات جميلة عن المنزل الأول؟

بالطبع، إنها ذكرياتي الأولى مع غسان. لكن ما هو جدير بالذكر أن غسان كتب أهم رواياته " رجال في الشمس" في هذا المنزل. والسبب كان المحاولة الانقلابية في العام 1962 وما أعقبها من نشر الجيش والأجهزة الأمنية وحملة الاعتقالات. لم تكن لدى غسان أي أوراق رسمية فاضطر إلى ملازمة البيت فترة طويلة نسبيا. وفي هذا الاختباء القسري كتب "رجال في الشمس".

عشنا معا سنوات جميلة وممتعة ومتوثبة، وكانت حياتنا مدعمة بالاحترام والحب، وزاد في متانتها مجيء فايز في 24/8/1962 ثم ليلى سنة 1966.


كيف كان غسان يحنو على ولديه؟

احب ولديه كثيرا، وكتب عنهما قصصا أيضا، لم يضربها قط. وكان يفتش دوما عن أوقات يتمكن فيها من اصطحابهما إلى السينما او الحدائق او ليشاركهما ألعابهما في المنزل.(يتدخل فايز قائلا):اذكر أن والدي كان يأخذني معه أحيانا إلى جريدة " المحرر" ويجلسني على كرسيه ويطلب منى أن ارسم بعض الرسوم. وكنت اذهب معه إلى "الأنوار" والى الهدف أيضا.


علمني العربية


تتابع آني: في بيتنا كنا متعددي اللغات، غسان يتكلم دوما بالعربية. أما أنا فكنت أتكلم بالإنكليزية. وبسبب مشاغله الكثيرة كان ابني فايز، بحكم التصاقه بي، يتقن الإنكليزية ولا يجيد العربية، ويواجه مشاكل في دروسه في هذه اللغة. (يتدخل فايز أيضا ليوضح): علّمني والدي حب العربية بالرسم. في إحدى الليالي جلس معي مطولا وراح يرسم لي الأحرف: الصاد على شكل صوص، الواو على شكل وروار …وهكذا. ومنذ تلك الليلة صرت احب اللغة العربية. وفي أي حال لم اصبح رساما او أديبا. أختي ليلي رسامة. أما أنا فاهتم بالإخراج السينمائي.


كيف كان يمضي أوقاته معكم؟

لم يكن لديه الكثير من الوقت ليمضيه معنا أنا وفايز وليلى. يعمل حتى وقت متأخر من الليل. غير انه يصر على ألا يرتبط في يوم الأحد بأي موعد لكي يتيح لنا جميعا أن نمضي فسحة في المنزل او في خارجه. كنا نذهب كل يوم سبت، تقريبا، إلى السينما. وهو نفسه كان في حاجة ماسة إلى الفرح والمرح والراحة. (فايز): أحبه كثيرا أطفال المبنى الذي كنا نسكنه في مارتقلا. كان يأخذني لنلعب كرة القدم معهم، وكان يوزع عليهم حبات الملبس دوما.


أكانت له علاقة بالطبيعة مثلا؟

بيتنا في مارتقلا عبارة عن طبقة أرضية، أي أن ثمة حديقة تحوط البيت. كان غسان يحب أن يعمل في هذه الحديقة. وفضلا عن ذلك كانت لدينا عدة قطط. غسان كان يحب شخصية الهر فهي مسالمة لكنها تصبح نمرا إذا هوجمت. (فايز):رأى أبي أن شخصية الهر تشبه كثيرا الفلسطينيين. فالشعب الفلسطيني وديع وحساس ومفعم بالمشاعر. لكنه بعد أن اخرج من دياره، تحول إلى قط بري يقاتل من اجل بقائه ووطنه.


كيف تتذكرين الآن غسان كنفاني؟

(أومضت عيناها ببريق جميل ثم طفرت بعض حبيبات الدمع منها قبل أن تقول): كان غسان ديناميا، وبالطبع كان وسيما ونحيلا. والمهم انه صاحب عقل منفتح. كان يدخن كثيرا ويكتب المقالات ويجري المقابلات وينصرف إلى الرسم. غسان لم يدرس الرسم البتة، لكنه ترك الكثير من الأعمال التشكيلية الموزعة هنا في بيتنا ولدى بعض الأصدقاء.


هل كان عصبيا؟

نعم كان عصبيا، ولكن في نطاق عمله فقط وليس أمور المنزل. كان يغضب أحيانا في البيت مثله مثل معظم الناس.


عندما ينصرف إلى الكتابة هل يصبح قلقا متوترا؟

نوعا ما، في عمله يبدو كأنه في احتراق دائم. لا يهدأ البتة. وعندما يجلس إلى الكتابة (وأشارت إلى المكان الذي كان يحلو له أن يجلس إليه أمام المكتبة)، كان يكتب بسرعة، وبسرعة كبيرة. حينما أفكر في عدد الكتب التي ألفها وهي 19 كتابا، عدا المقالات والمقابلات والتصريحات، أرى انه شديد السرعة. كان عقله مفعما بالأفكار، ويريد أن يكتب ذلك كله تباعا.


فايز، بأي عين ترى والدك وكيف تقرأه؟

عندما بدأت في قراءة كتب والدي كنت أنا اجبر نفسي على قراءتها فقط لأنها كتبه ومن البديهي أن أكون مطلعا عليها، لكن فيما بعد، وبعد أن قرأتها مرات ومرات صرت انظر إليه كانسان كانت له أهداف نبيلة في هذه الحياة ناضل من اجلها ومات في سبيلها. الآخرون جعلوا غسان كنفاني أسطورة. أما أنا فافتقدته كثيرا. لقد كان أبي أولا وأخيرا. وكان على عجلة فمضى بسرعة، كأنه أوقد شمعته من الجهتين.
 

" الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال "
 

غسان كنفاني

 

ليست المقاومة المسلحة قشرة، هي ثمرة لزراعة ضاربة جذورها عميقا في الأرض، وإذا كان التحرير ينبع من فوهة البندقية، فإن البندقية ذاتها تنبع من إرادة التحرير، وإرادة التحرير ليست سوى النتاج الطبيعي والمنطقي والحتمي للمقاومة في معناها الواسع: المقاومة على صعيد الرفض وعلى صعيد التمسك الصلب بالجذور والمواقف.

ومثل هذا النوع من المقاومة يتخذ شكله الرائد في العمل السياسي والعمل الثقافي، ويشكل هذان العملان المترافقان اللذان يكمل واحدهما الآخر الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة وتحضنها وتضمن استمرار مسيرتها وتحيطها بالضمانات.

ومن هنا فإن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبدا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، وبالتالي فإن رصدها واستقصاءها وكشف أعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الأرض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح.

وفي الفترة التي امتدت بين 1948 و 1968، قدم المثقفون العرب في فلسطين المحتلة، من خلال أقسى ظروف القمع، والأسر الثقافي، نموذجا تاريخيا للثقافة المقاومة، بكل ما فيها من وعي وصمود وصلابة، وأهم من ذلك، بكل ما فيها من استمرار وتصاعد وعمق.

وفي الواقع فإن أدب المقاومة -على وجه الخصوص - لم يكن أبدا ظاهرة طارئة على الحياة الثقافية الفلسطينية، وفي هذا النطاق فإن المقاومة الفلسطينية قدمت، على الصعيدين الثقافي والمسلح، نماذج مبكرة ذات أهمية قصوى كعلامة أساسية من علامات المسيرة النضالية العربية المعاصرة.

وحفل التاريخ الفلسطيني، منذ الثلاثينات على الأقل، بمظهار المقاومة الثقافية والمسلحة على السواء، وإذا كانت الثورات المسلحة التي خاضها شعب فلسطين قد أنتجت أسماء من طراز عز الدين القسام مثلا، فإن أدب المقاومة قد أنتج، قبل ذلك ومعه وبعده، أسماء من الطراز نفسه، مازال المواطن العربي يذكرها بكثير من الاعتزاز، ومن أبررزها إبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود، وأبوسلمى (عبد الكريم الكرمي) وغيرهم.

ومن هذه الناحية فإن أدب المقاومة الفلسطيني الراهن، مثله مثل المقاومة المسلحة، يشكل حلقة جديدة في سلسلة تاريخية لم تنقطع عميليا خلال نصف القرن الماضي من حياة الشعب الفلسطيني.

ولكن ما يميز الأدب المقاوم في فلسطين المحتلة منذ 1948 حتى 1968 هو ظروفه القاسية البالغة الشراسة، التي تحداها وعاشها، وكانت الأتون الذي خبز فيه إنتاجه الفني، يوما وراء يوم.

لقد كان الحصول على نماذج هذا الأدب المقاوم صعبا للغاية، ومن المؤكد الآن أن هناك نماذج لم يتسير قط نشرها، ولا نعرف فيما إذا كان من الممكن نشرها خلال الفترة الوجيزة القادمة، وكذلك فإن تراثا كبيرا من الشعبي الفلسطيني الذي ولد وترعرع وانتشر في الريف الفلسطيني خلال العشرين السنة الماضية لم يتسير لنا قط الحصول عليه بالصورة التي تتيح استخدامه لدراسة منفصلة أخرى، وإن كانت الجهود الحالية في هذا النطاق تبشر بإمكان ذلك.

في هذا المجال لابد من الإشارة إلى أن البحث التالي ليس طبعة جديدة أو منقحة لكتابي الذي أصدرته دار الآداب باسم "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة"، بل يمكن اعتباره إلى حد بعيد دراسة مكملة، خطوة ثانية في هذا النطاق، ولا يسعني إلا أن أشير إلى أن الكتاب الأول يعتبر مقدمة ضرورية لهذا الكتاب، سواء من حيث التحليل أو حيث النماذج.

وإذا كان لابد من الاستطراد في هذه النقطة الشكلية، ولكن الهامة، فهناك ملاحظتان لابد منهما:

الأولى أن معظم النماذج التي اخترناها في هذه المجموعة حرصنا على أن تكون من خارج نطاق النماذج التي باتت متوفرة الآن، والتي ستطبع في مجموعات شعرية منفصلة خلال الفترة الوجيزة القادمة.

و الثانية أن دراسات تحليلة عديدة لأدب المقاومة الفلسطيني، هي الآن في نطاق الإعداد من قبل أستاذه اختصاصيين في النقد الأدبي والبحث، وهذا هو بالذات ما جعل الدراسة هذه تميل باطراد نحو الصيغة الوثائقية، إذا جاز التعبير، أكثر بكثير مما حرصت على الصيغة التحللية.

و بعد؛
إن ما يهم هذه الدراسة، في الأساس، هو أننها تحاول تقديم وثيقة أخرى للأدب الفلسطيني المقاوم بعد الوثيقة الأولى التي جاءت قبل ثلاث سنوات في كتاب "أدب المقاومة قي فلسطين المحتلة"، فإذا حققت ذلك فإنها لا تطمع إلى شيء آخر.

بيروت 15نيسان 1968
غسان كنفاني



اقرأ النص الكامل لهذا الكتاب على الوصلة التالية:
الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال

_________________________
- نقلا عن موقع نادي فلسطين العربي.
http://www.unet.univie.ac.at/~a9507511/